المرأةالمسيحية وتحديات العصر

• 1. علاقة الوعظ بالخطابة

المسيحية والبيئة

 

المرأةالمسيحية وتحديات العصر

القاها المطران سلوانس بطرس النعمة في رياضة روحية للسيدات

بتاريخ 19-10-2006 في دار المطرانية بحمص

أرحب بداية بالسيدات الفاضلات عضوات لجنة السيدات الخيرية في دمشق والسيدات والآنسات المشاركات من رابطة المرأة السريانية في هذا اللقاء الجميل الذي يجمعنا اليوم في هذه الكنيسة المباركة السيدة العذراء أم الزنار التي أسألها أن تبارككم وتبارك جهودكم وأعمالكم لما فيه خير الإنسان إن كان لنفسه أو تجاه خالقه وقريبه لنلتقي اليوم ونتحدث معاً في موضوع مهم في حياة المرأة المسيحية وتفصّدت أن أسميها المرأة المسيحية لا المرأة لأن واجبات المرأة المسيحية تختلف عن غيرها وتحدياتها منها مشتركة ومنها خاصة وواجباتها مستمدة من الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ومن الروح القدس الذي يرشدنا لنصل إلى الطريق والحق والحياة.

والمرأة المسيحية لم تكن في فكر الله إلا المساوية للرجل في الواجبات والحقوق وفي سر الزواج ليكونان كلاهما جسداً واحداً (تك 2 :24 ) والإكرام واجب لكليهما"أكرم أباك وأمك "(20 :12 ) وتكرمت المرأة بواسطة العذراء مريم التي دعيت والدة الله التي طوبتها كل شعوب الأرض أعطت قدسية وإكرام لنساء العالم لكن لا تنسى أن المرأة في العهد القديم لم تنل حقوقها وواجباتها كما يليق ولا حسب تعاليم الله لكنها في العهد الجديد نالت الكرامة فالتجسد الإلهي كان من العذراء مريم ونشر بشارة القيامة كان بواسطة مريم التي طلب منها أن تخبر الرسل ليسبقوها إلى الجليل والنسوة رافقن الرسل في الكرازة والتبشير في العالم إذ نلن هن أيضاً نعمة موهبة الروح القدس بواسطتهن انتشر الإنجيل المقدس بهدوء وقوة إذ كانت المؤمنات منهن يخدمن في قصور الملوك والعظماء ويبشرن بكلمة الله .

وبرزت في الكنيسة السريانية الملكة هيلانة ابنة قسيس سرياني في الرها والدة الملك قسطنطين وكان لها الدور في انتشار المسيحية في العالم.فالمرأة في مفهومنا الديني هي نظير كامل ومكمل للرجل في عيني الرب فلا تكتمل إنسانيته من دون أن تتحد بإنسانيتها ولا إنسانيتها إلا بالاتحاد بإنسانيته وهنا الحديث لا عن الزواج بل عن الاجتماع والشراكة العائلية والشركة الإنسانية بينهما في المجتمع واستطاعت وهي بهذا المنظور الثالوثي والروحاني أن تصل على أعلى مكانة لها في المجتمع استطاعت أن تقاوم وتتحرر من صعوبات ومضايقات كثيرة وغيرت مفهوم الرجل حولها وعبر الزمن استطاعت المرأة أن تحكم على الرجل وتعتبر الرجل ثانوي في حياتها. وفي مجتمعنا الذكوري الشرقي لا تزال المرأة تشعر بحاجتها لحرية كاملة واستقلال في الرأي والحياة ومع تجاوزها المعاناة واستمرارها في مواقفها وصلت اليوم في وطننا لتكون السيدة نائب لرئاسة الجمهورية للشؤون الثقافة كالسيدة نجاح العطار ومستشارة أدبية في رئاسة الجمهورية كالسيدة كوليت خوري كما برزت منهن الطبيبة والمحامية والقاضية والمدرسة و عضوة البرلمان والمرشدة والراهبة وفي الحقيقة أشعر بأن المرأة في الكنيسة أخذت حقوق كثيرة لم يثيرها الإنجيل ولكن عبر الزمن وضعت الكنيسة أنظمة لترتيب الحياة الزوجية والواجبات بالتعاون الواحد مع الآخر في تربية الأولاد ونظمت دورها في الكنيسة وفي المجتمع ولكم مع هذا التحرر لا بد من وجود بقايا عادات قديمة بالية تتحكم في حياة المرأة ومع ذلك نستطيع القول أنه لا بد من وجود بعض التحديات منها

-العنف: قتل الزوجة- الضرب- الاغتصاب- إن المواقف التقليدية التي تعتبر المرأة تابعة للرجل أو ذات دور نمطي يكرس الممارسات الشائعة التي تنطوي على العنف أو الإكراه، مثل العنف وإساءة التصرف في الأسرة، والزواج بالإكراه، والوفيات بسبب المهر الذي تدفعه الزوجة، والهجمات بإلقاء الحوامض، وختان الإناث. وأوجه التعصب والممارسات هذه قد تبرر العنف القائم على نوع الجنس على أساس أنه شكل من حماية المرأة أو التحكم فيها. والأثر الذي يتركه هذا العنف في سلامة المرأة جسديا ونفسيا يحرمها من المساواة في التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، ومن ممارستها والعلم بها. وفي حين أن هذا التعليق يتناول أساسا العنف الفعلي أو التهديد باستعماله، فإن النتائج التي تنطوي عليها هذه الأشكال من العنف القائم على أساس نوع الجنس تساعد على إبقاء المرأة في أدوار تابعة، وتساعد على انخفاض مستوى اشتراكها السياسي، وعلى انخفاض مستوى تعليمها ومهاراتها وفرص عملها. 12- كما تساهم هذه المواقف في نشر الإباحية وتصوير المرأة واستغلالها تجاريا باعتبارها أدوات جنسية وليست بشرا سويا. وهذا بدوره يسهم في العنف القائم على أساس نوع الجنس.

-مطالبة الزوجة الزوج في المشاركة بأخذ القرار في البيت 3- استغلالها في عالم العولمة لتكون سلعة لترويج البضائع والدعايات والأغاني والملبوسات وتجارة الدعارة في الشرق والغرب والانحلال الخلقي. 4- التفكك الأسري مشكلة تعامل الزوج مع زوجته- قوانين الأحوال الشخصية تجاه المرأة- الأم –الحضانة- النفقة- الجهاز- الطلاق وحرمان الزوجة من حقوقها- مشاكل الزنى- حرمانها من الأولاد الحوار الأسري انفقد من البيت –الزواج المبكر- فقد العاطفة والحب الزوجي وتحول إلى ارتباط اجتماعي مما يجعل الرجل يفقد علاقته وحبه والحكمة من المرأة 5- عدم أخذها دورها في صنع القرار

في المجتمع في السياسة في الدين مهما ارتفعت درجة ثقافته لا يعترف بحقها في التفكير والمعرفة لا يعترف بحقها في معرفة ما يدور حولها إذا تكلمت في السياسة يعتبرها مسترجلة, لان السياسة حكرا على الرجال , هي لها بيتها , وأولادها , مالك أنت ومال السياسة .... أنت امرأة

- تحررها من العادات والتقاليد البالية الحزن للمرأة اللباس الأسود البكاء ابتعادها الروحي عن كلمة الله وتعاليم الإنجيل جعلها تفقد الفضائل والقيم المسيحية وواجباتها تجاه زوجها وأولادها كما نص عنها الكتاب المقدس في سفر الأمثال ورسائل الرسول بولس. للتعقيم أو الاجهاض القسريين أثرا سيئا على الصحة الجسدية والنفسية للمرأة، وفيهما انتهاك لحقوقها في أن تقرر عدد أطفالها والفترة بين انجاب طفل وآخر

الحلول والتوصيات نوردها فيما بعد لان المحاضرة كانت موضوع بحث ومحاورة اكثر من القاء والتوصيات تتبعها



• 1. علاقة الوعظ بالخطابة

• 2. علاقة الوعظ بمواد اللاهوت

A. تعريف:

موضوع علم الوعظ هو الدراسة العلمية لمنهجية ومناهج الوعظ المسيحي فهو يدرس تاريخ الوعظ ومراجعه كما يدرس تطوره، ويبحث في مناهجه وطرق تكوين العظات وإلقائها.

1. علاقة الوعظ بالخطابة

فن الوعظ هو فن التخاطب ولو بدا أنه كلمة موجهة من طرفٍ واحد. وذلك كما ورد في (لوقا 15،24). فن الخطابة إذن هو مخاطبة الآخرين ومحاورتهم ولكن يتكلم فيه الواعظ فقط. وإذا لم تصير العظة مخاطبة تبقى مجرد سرد لمعلومات أو آراء لا تصل إلى غايتها. فالمخاطبات الصالحة تبني والمخاطبات الرديئة تفسد الأخلاق الصالحة (1كور 23:15).

فن الوعظ هو فن التخاطب ولو بدا أنه كلمة موجهة من طرفٍ واحد. وذلك كما ورد في (لوقا 15،24). فن الخطابة إذن هو مخاطبة الآخرين ومحاورتهم ولكن يتكلم فيه الواعظ فقط. وإذا لم تصير العظة مخاطبة تبقى مجرد سرد لمعلومات أو آراء لا تصل إلى غايتها. فالمخاطبات الصالحة تبني والمخاطبات الرديئة تفسد الأخلاق الصالحة (1كور 23:15).

ولكن المعنى الأخص للوعظ, أي ضمن الصلوات اللتيورجية (أعمال 11:20). بقي حتى القرن الرابع يعني خطاباً تربوياً ودّياً طبيعياً مبنياً على علاقة مباشرة وخاصة بين معلم روحي وتلاميذه، أو إلهام الصلاة والمصلين معه.

لا بد من الإشارة أن التفضيل هو أن تكون العظة ميالة إلى التوجيه الروحي المستنتج من التفسير الكتابي أكثر من اتجاهها إلى الخطابة ذات الطابع الشخصي للواعظ.

هناك إذن ارتباط وثيق بين الوعظ وفن الخطابة، وبالوقت ذاته هناك تمايز دقيق. فالوعظ يتبّع مناهج ومنهجيات الخطابة لكنه ليست بالضرورة ملزماً بها ما دام شرطه الأول هو الوصول إلى مخاطبة الناس الذين تربطنا بهم علاقة روحية وليتورجية تقوم على المباشرة والبساطة والتواضع ولا تطلب إعجاب الناس أو إدهاشهم. قوانين الوعظ والخطابة هي أدوات مساعدة يستطيع الواعظ اعتمادها غالباً لإيصال نداء إلهي بالطرق الأمثل.

2. علاقة الوعظ بمواد اللاهوت

لا بد أن المنهجيات الموجودة في فن الخطابة تساعد الواعظ، وخاصة في تحديد تماماً ماذا يريد أن يقول وكيف يجب أن يوصله لسامعيه. وهي تحمل خبرة بشرية واسعة وغنية يمكن للواعظ استخدامها كقالب لكلمة إلهية ثمينة يريد نقلها.

من الواضح أن كل مواد اللاهوت تشكل المصنع والمواد الأساسية التي يجب أن يخرج منها بالنهاية "كلمة تعزية" (لوغوس باراكليسيوس). فكل مواد اللاهوت تشكّل للاهوتي الطاقة والإمكانيات التي يجب أن تخدم عظته. إن الوعظ هو الباب الذي سيخرج منه كل علم اللاهوت إلى الناس. يشكّل إذن اللاهوت المادّة، ويشكل الواعظ الباب.

يندرج علم الوعظ في القسم اللاهوتي الرعوي، يرتبط الوعظ مع الدور الطقسي بشكل عضوي من حيث تكوين العظة. ويحتاج لمعرفة في علم الرعاية والعقائد وعلوم النفس وبالأخص تفسير الكتاب المقدس. وقوة العظة تتحدد بمقدار قدرتها على إيصال الرسالة الروحية والإنجيلية للناس لتوضع في موقع التنفيذ والحياة.



المسيحية والبيئة

البحث الذي قدمه المطران سلوانس بطرس النعمة في الندوة الأولى لأطباء حمص في قاعة الميتم الإسلامي بحمص بتاريخ 20 – 5- 2004

أشكر في البدء اللجنة المنظمة لهذا اللقاء التي وجهت لنا هذه الدعوةَ الكريمةَ للمساهمةِ معكم في هذه الندوةِ الوطنيةِ الأولى للبيئةِ تحت شعار ( لنعمل سويا لدرء أذى الفرد عن الإنسان) التي نظمها فرعُ نقابة الأطباء بحمص بالتعاونِ مع جمعية حمص البيئية وقيادةِ شرطةِ محافظةِ حمص . لطرح وجهة نظر دينية مسيحية حول البيئة التي لها دورٌ هام في حياتنا وهي قاسمٌ مشتركٌ بين الأديان السماوية بحسناتها وسيئاتها, إذ أن للدين دوراً هاماً في الحفاظ على البيئة من خلال توجيهاته وتعاليمه السامية المقدسة وذلك انطلاقاً من إيماننا الواحد بأن اللهَ عزَّ وجلَّ قدّس هذه الخليقة وباركها وسلّط الإنسانَ الذي خلقه على صورته ومثاله ليكون سيّداً لها وهذا ما نقرؤه في سفر التكوين الإصحاح الأول الذي يتحدث عن أن اللهَ خلق السماءَ والأرض، ما يُرى وما لا يُرى، ثم خلق الإنسان في اليوم السادس "قال الله لنعمل الإنسانَ على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طيورِ السماء وعلى البهائم وعلى كلِّ الأرض وعلى جميع الدباباتِ التي تدب على الأرض...، ثم خلق الله الإنسانَ على صورته، ذكراً وأنثى خلقهما وباركهما الله وقال لهما اثمروا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض... ثمّ وضع الله الإنسانَ في جنة عدن ليعملَها ويحفظَها" (سفر التكوين الإصحاحين الأول والثاني). وبعد كلِّ هذا العملِ يقول الكتابُ إن اللهَ بعدما انتهى من الخلقِ رأى كل ما عمله فإذا هو حسنٌ جداً ( تك 1 : 31 )

أيها الأحباء: إن مصدر إيمانِنا المسيحي هو الكتاب المقدس بعهديه القديمِ والجديدِ وهو الكتاب الذي نؤمنُ أنه موحىً به من الله وقابلٌ للتعليم والتأديب والتوبيخ وحين نستند على فهم الخليقة نعود إليه ولا أريد أن ندخل في جدل الخليقة وتفاصيلِها فليستْ هي بحثُ اليوم ولكن أريد أن أؤكد أن الله خلق الكون لسعادة الإنسان ورفاهيته وأنه هو المسؤولُ الأولُ والأخيرُ على إعمارِ الأرضِ والمحافظةِ على مقوماتِ الحياةِ فيها فقد ميّزه دون سائر الخلائق بعقل راجح وفكر نيّر وأعطاه نعمةَ التقصي والاستطلاع والتكيف مع البيئة والخليقة وهو الفنانُ المبدعُ يتكيفُ مع هذا الكون ويكيفه كما يشاءُ وهو المدعو لعملِ الصلاح والخير على الأرض. فالشريعةُ والناموسُ في الكتاب المقدس توجهٌ نحو محبة الله التي تتجسد في محبة القريب لذلك يجب أن يسعى الإنسان للسلام والمصالحةِ مع نفسه، مع الله، مع الآخرين، مع البيئة التي يعيش فيها، وهذه المصالحةُ تتجسد من خلال أعماله الصالحةِ وإيمانِه المتجسد بالعمل "الإيمانُ بدون أعمالٍ ميت" "الديانةُ الطاهرةُ النقيّة عند الله الآب هي افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقهم وحفظُ الإنسان نفسَه بلا دنسٍ من العالم"(يع1: 27)

إن الإنسان مخلوقٌ حرٌ وله كامل الحريةِ والإرادةِ بأن يسعى نحو الخيرِ أو يميلَ نحو الشرِ وقد خلقه الله على صورة القداسة والبر على صورته كشبهه ومثاله. فعندما مال الإنسانُ بملءِ إرادته نحو الشر واتجهَ نحو الخطيئةِ التي فصلته عن علاقته مع الله، ومع الآخرين، فأفسد الشر طبيعة الإنسان و رأى الرب أن شر الإنسان قد كثُر في الأرض وأنَّ كلَّ تصورِ أفكارِ قلبه إنما هو للشر كل يوم ( تك 6 : 5 ) وفسدت الأرض أمام الله فخاطب داود النبي الله قائلاً : لأنك أنت لست إلهاً يُسرَّ بالشر ولا يساكنك الشرير ولا يقف المفتخرون أمام عينيك . أبغضت كل فاعلي الإثم . تهلك المتكلمينَ بالكذب لأن رجل الدماء والغش يكرهه الرب ( مزمور 5 : 4-6 ) وهكذا أصبح فكر الإنسان شريراً وفاسداً واتجه نحو إيذاءِ خليقة الله المقدسة فتلوث فكره وفسد عقله وتغلغل إلى قلبه الطمع والجشع والكبرياءُ والحسدُ والنميمةُ والقتلُ والدمارُ، والجميع ضلوا وأعوزهم مجد الله فجاءت تعاليم الكتاب المقدس التي تردُّ النفسَ وتفرحُ القلبَ وتنير العينين بما فيها من تعاليم سامية مع وصايا السيد المسيح التي هي خيرُ نورٍ وهدىً إلى طريقِ الصواب وإلى الحقِ والحياةِ ونَزعِ أوزارِ الخطيئة والعدوانية والشرَّ ومقوماته عن فكره لتوجهَهُ نحو الخير والصلاح و محبة أخيه الإنسان ومحبة الله ومن تعاليمه أُوردُ بعضَ الآيات:

"أحبوا بعضَكم بعضاً كما أنا أحببتُكم ... ما من حب أعظمُ من هذا أن يبذل الإنسانُ نفسه عن أحبائه .. أحبوا أعداءَكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم .. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ( متى 5 : 43)-- فليضئ نورُكم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات ( متى 5:16) -- أنتم ملحُ الأرض ولكن إن فَسُد الملح فبماذا يُملَّح لا يصلح بعد لشيءٍ إلَّا لأن يطرح خارجاً ويداسَ من الناس ( متى 5 : 13 ) -- الإنسان الصالحُ من كنزِ قلبهِ الصالحِ يُخرجُ الصلاح والإنسانُ الشريرُ من كنزِ قلبهِ يُخرجُ الشر ( لوقا 6 : 45 )

أيها الأحباء : المسؤوليةُ تقع على عاتق كل واحدٍ منا في الحفاظِ على هذهِ الخليقةِ المقدسةِ نقيةً طاهرةً وصافيةً من هنا أشعر أن البيئةَ وحاجتَها أمانةٌ في أعناقنا جميعاً فهي الحاضرُ الذي نعيشُ فيه وهي المستقبلُ لأولادنا.

قد تقصدون من خلال بحثِكم في البيئة والملوثات البيئية فقط ما ينتج من نفاياتِ المعاملِ والشركاتِ الضخمةِ والمصانعِ التي تُطرح في الأرض أو التي تطير في الهواء ولكن تلاحظون من كلامي هذا أنني اتجهتُ نحو تلوثٍ سميته "التلوثَ الفكري أو بالأحرى الفسادَ العقلي" الذي يجب أن ينقّى ويصفّى لأنه أصل كل الشرور والحقيقةَ يجب أن ننقّي باطن الكأس لا خارجَها لنشرب منها، واعتقد أن التلوث الفكري وخاصة هذه الأيام هو مرض العصر فقد أثَّرَ من خلال تياراته المتعددة الاتجاهات والمصادر - إن كان سببها الدولُ العظمى أو التياراتِ الصهيونيةِ أو أي تنظيم شرير اثر على الإنسان وعلى الدين والمعتقدات الدينيةِ وعلى مجتمعنا الشرقي و أثر على بلادنا التي هي مهدُ الحضاراتِ والدياناتِ السماويةِ وحياتنا الاجتماعيةِ اليومية. والتلوثُ الفكريُّ هو الذي سببَ التلوثَ البيئي المعروفَ بأنه التغيرَ في الصفات الطبيعية للعناصر التي تتحكم في البيئة التي يعيش فيها الإنسان: أهمُّها الماءُ والهواءُ والتربةُ تغييراً يؤدي إلى الأضرار بها نتيجةَ الاستعمالاتِ غيرِ السليمةِ لهذه العناصرِ وذلك بإضافة موادٍ غريبةٍ عنها وقد يكون التلوث بيولوجياً أو كيماوياً أو إشعاعياً أو بالنفايات أو بعدمِ النظافة، فمنذ أن تحول صراعُ الإنسانِ مع البيئة نتيجةَ فسادهِ من أجل الحياةِ إلى صراع من أجل الرفاهيةِ وعندها بدأت مشاكل البيئة تظهر.

والتلوثُ الفكريُّ تلوثٌ يسيطر على العقول والأفكار وهو الذي أول من دفع البعضَ لدفنِ النفايات في التربة بهدف الحصولِ على الربحِ المادي دون تقدير لما ينجم عن ذلك من عواقبَ وخيمة.وهذا ما تقوم به الدولُ الصناعيةُ الكبرى التي تُهدرُ البيئةُ بنسبةِ أربعةِ أضعاف للشخص الواحد من الدول النامية .والآن تطرح هذه الدول نفاياتها في الدول النامية غيرَ مسئولةٍ عن النتائجِ السلبيةِ التي ستنتجُ عن فعلتها هذه من أمراضٍ وأوبئةٍ وضررٍ في التربةِ وتلوثٍ في المياه والهواء.

التلوث الفكري هو الذي سمح للدول العظمى باستعمال الأسلحةِ الفتاكةِ الكيماويةِ والنوويةِ لإبادة كل الكائناتِ الحيةِ على وجه الخليقةِ. واستخدامِ التكنولوجيا للأضرارِ بأخيه الإنسان وخليقة الله الجميلة التي وجدت لصالحه ونفعه فحوّلها إلى طرق غير شرعية وعليه أن يأخذَ ما ينفعهُ منها لخيرهِ وخيرِ الآخرينَ كما قال الرسول بولس: "كل الأشياء تحلُّ لي ولكن ليس كلُّ الأشياءِ توافق، كلُّ الأشياء تحلُّ لي ولكن لا شيء يتسلط عليّ " (1كو6: 12).

لننطلق في معالجة هذه النقطة المهمة بالتوعية الصحيحة والتربية الصالحة في المنزلِ والمدرسةِ والكنيسةِ والمسجدِ وفي كل المنظمات التربوية والاجتماعية لنعود لفكرنا الشرقي والحضاري والديني ساعين في نشر الحضارة كما كنا مقاومين الشر وبانين جيلاً صاعداً يعرف كيف يحافظ على بيئتهِ النقية. وأودُ أن أقول أن الكنيسةَ ساهمتْ عبرَ العصورِ والأجيال في مكافحةِ التلوثِ البيئيِّ بكافة أشكاله، من خلال الأديرة والمؤسسات الكنسية والمحلية والعالمية حيث ساهمت في جرِّ المياه وتنظيفها بأحدثِ الآلات ومدت مساعدتَها للقرى المجاورة لها مع زرعها للصحراء ومعالجة تربتها.

الكنيسةُ ساهمتْ وتساهمُ من خلال إرشاداتها ومواعظها وندواتها الثقافية المستمرة وقد أصدرنا بياناً في حمص باسم رؤساء الكنائس خاص بالمآتم طلبنا فيه منع تقديم الدخانِ لأضرارهِ الكثيرة وتأثيراته السلبيةِ المتعددةِ، ومنعنا إطلاق العياراتِ الناريةِ والتخفيفِ من استعمالِ أكاليلِ الورودِ والتعويضِ عنها بالتبرعاتِ للجمعياتِ الخيرية. ولقد وجهّنا أولادنا في مراكزِ التعليمِ الديني ليعملوا على نظافةِ بيتهم ومدرستهم وشارعهم، ولدينا لجنة باسمِ لجنةِ حمايةِ البيئة يرأسها الدكتور إبراهيم وردة منبثقةٍ عن أخوية الأسرة في كنيسة أم الزنار بحمص، تطلعنا بشكل دائم عن المستجدات حول البيئة.

كما أنَّ الكنيسة تهمها المحافظة على البيئةِ فهي تستعمل منها أشياءَ كثيرة في ممارسة طقوسها الكنسية مثلَ الزيتِ والقطنِ والماءِ وأغصانِ الزيتونِ والقمحِ والكرمةِ والنبيذِ و الخلِّ والسمكِ، ويصادفُ موعدُ الصومِ الأربعيني لدينا في أغلبِ الأحيانِ في نصفِ آذارَ ونيسانَ مع فترةِ توالدِ المواشي وإرضاعِ حِملانها، وتمنعُ الكنيسةُ في هذهِ الفترةِ أكلِ اللحمِ وشربِ الحليبِ ومشتقاته.

كما أن الأصوامَ الكنسيةَ باعتبارها أصواماً نباتيةً تساعد في تنقيةِ الجسمِ من موادٍ كثيرةٍ وتريحه. وهو صحةٌ تامةٌ للجميعِ وهذا ما تنصحونا به أنتم كأطباءَ للتخفيفِ من الشحومِ والموادِ الدهنية القاتلة. أخيراً نأملُ أن نعالجَ معاً التلوثَ الذي شملَ في الغالبِ كلَّ مجالاتِ الحياة البشرية المادية والصحية والنفسية والاجتماعية، الأمرُ الذي تولدَ عنه حالةَ انفصامٍ بيئيٍّ جعلت الإنسان يعيشُ في دوامةٍ من القلقِ والحيرةِ وأضحى كعنصرٍ سلبيٍّ للتقدمِ التكنولوجي الذي جرى وراءَه الإنسان بكل قواه دون أن يفطن إلى أنهُ قد أسهمَ بقصدٍ أو بدون قصدٍ في إلحاق الأضرارِ بالبيئة .

إنَّ ما يستهدفه الإنسانُ في مساعيه نحوَ تحسينِ المعيشةِ بالتصنيعِ أصبحَ وِبالاً وكابوساً عليه وعلى صحتهِ وأموالهِ لذلك يجبُ أن نؤكدَ ونركزَ على البيئةِ الثقافيةِ في التوعية. 1- أن نُكسبَ أولادنا عاداتٍ صحيحةٍ وصالحةٍ للمحافظةِ على البيئةِ وكذلك أن يكتسبوا مهاراتٍ يستطيعون عِبرها المحافظةَ على البيئةِ وهذا العمل ينطلقُ بأسسٍ أولها التربيةُ المنزليةُ ثم التربيةُ المدرسيةُ من خلالِ التعليمِ والتوجيهِ وإعدادِ المناهجِ ويجبُ أن تكونَ هناك مادة رئيسية في المدارسِ لهذه التربية. 2- رصدُ كافةِ المشاكلِ البيئيةِ في المنطقةِ ودراستها ووضعُ الخططِ العمليةِ من أجلِ الحدِّ من انتشارِها أولاً ومعالجتِها بهدفِ إيجادِ الحلولِ المناسبةِ لها. 3- التوعيةُ البيئيةُ المستمرةُ بهدفِ الوقايةِ من حصولِ أي مشكلةٍ بيئيةٍ عن طريقِ المؤسساتِ والمنظماتِ الموجودةِ في الدولة. منظمةُ طلائعِ البعث والشبيبة والمؤسساتُ الدينيةُ والنقاباتُ المهنية. 4- إعدادُ البرامجِ التربويةِ المستمرةِ في المدارسِ والتلفزيونات ومن خلالِ الحملاتِ لمعالجةِ التلوث كذلك من خلال إيجادِ حاوياتٍ متخصصةٍ كل منها لفرزِ النفاياتِ وخاصةً ما ينتجُ عنها من أضرارٍ، وحمصُ خيرُ شاهدٍ على ذلكَ في معاملِها وغيرها وهي شهيدةُ التلوث.

أرجو أن أكونَ قد ساهمتُ معكم في ندوتِكم الكريمةِ هذه من وجهةِ نظرنا آملين أن تنجحَ مساعيكم في هذه الندوةِ وتتكللَ بالنجاحِ والتوفيق.

أختم بالقولِ لأحدهم : بدأَ الإنسانُ حياتهُ على الأرضِ وهو يحاولُ أن يحمي نفسهَ من عواملِ الطبيعة . وانتهى بهِ الأمرُ بعدَ آلافِ السنينِ وهو يحاولُ أن يحمي الطبيعةَ من نفسه. وشكراً لإصغائكم

البحث الذي قدمه المطران سلوانس بطرس النعمة مطران حمص وحماة وتوابعهما للسريان الأرثوذكس بعنوان المسيحية والبيئة في الندوة الأولى لأطباء حمص في قاعة الميتم الإسلامي بحمص بتاريخ 20 – 5- 2004